(تنبكتو)
جوهرة الصحراء الكبرى؛ مفخرة أزواد، عاصمة العلم والثقافة، قبلة المغامرين، وملتقى
الباحثين، مستودع الأسرار والأساطير، مهد الحضارة الإسلامية بأزواد، حاضنة العلماء
والصالحين؛ هذه المدينة الصامدة المغامرة، التي حطمت كبرياء كثير من الإمبراطوريات
على مر العصور؛ هذه الأسطورة الغامضة الصامتة، التي عرف شعبها بالزهد والصلاح والمسالمة
والموادعة حينا، وبالبأس والبطش والقوة والتحدي والصمود أحيانا، اشتهرت بكونها عنوانا
للتنوع العرقي؛ والتعايش السلمي؛ منذ أن أسسها طوارق (إيمقشرن) في القرن الخامس الهجري
إلى اليوم، وقد ارتبط اسم الأنصار والأشراف الأزواديين باسم (تنبكتو) حتى لقد خلد التاريخ
الاستعماري في كتبه جملة (تنبكتو _ تريبي كل انتصر)؛ للربط بين هذا الكيان العريق وبين
عاصمتهم الأبدية (تنبكتو)..
وقد أخضع الاستعمار الفرنسي شعب (تنبكتو)
وأجبرهم على توقيع معاهدات المصالحة والسلم؛ وتطبيع العلاقات بعد معارك طاحنة تكبد
فيها الطرفان خسائر فادحة؛ ولم يزل شعب هذه المدينة الهادئة وفيا بعهوده خلال العقود
الماضية رغم نكوث الاستعمار بعهوده مرارا وتكرارا..
حيث رحل الاستعمار العسكري ظاهريا وبقي
الاستعمار الثقافي والسياسي مهيمنا، ترسخه الدكتاتوريات المتعاقبة على حكم البلاد،
بدءا بعهد الشيوعية بقيادة موديبو (كيتا) الذي حاول تطبيق ما سمي ب(سوسياليس) للقضاء
على العلماء وكبار السن، للسيطرة على عقول الأغرار والجهال؛ كما سعى أيضا للتخلص من
الحمير والماعز؛ لقتل الأزواديين جوعا وعطشا، بعد انتهاء الجلود والحليب والمطايا الأكثر
قدرة على التكيف مع الظروف المناخية القاسية في الصحراء حسب تخميناته؛ ولكنه وقع في
قبضة الجنرال (موسى تراوري) قبل تنفيذ خططه..
: وقد أعلن الأخير حالة الطواري وفرض الأحكام
العرفية بعد تغلبه؛ مثل سياسة التهجير والتشريد والتجويع والحصار الاقتصادي (كرنتا)؛
مع فرض الضرائب الجائرة؛ لإنهاك الشعب الأزوادي وحمله على الهجرة قسرا لاستبداله بمستوطنين
جدد تم استقدامهم من دول الجوار؛ لحيازة المزارع والأراضي الخصبة بعد رحيل أصحابها..
واستمرت هذه السياسة حتى نهايته على يد
خلفه الجنرال (أتي تي) الذي جند من بعض القبائل الأزوادية العريقة مليشيات سماها أصحاب
الأرض؛ لضرب أبناء الشعب الأزوادي بعضهم ببعض؛ محاولا إبادتهم وإخماد ثورتهم في التسعينات،
والتي انتهت بمعاهدة سلام تم بموجبها دمج بعض الثوار في الجيش النظامي؛ وهدأت الأمور
قليلا خلال فترة حكم (أتي تي) وشريكه المحنك (ألفا عمر كناري) إلى أن تجدد الصراع بين
جيش مالي والحركات الأزوادية عام 2012 م واستمر الصدام حتى أعلن الطرفان انتهاء العمليات
العسكرية والجلوس على طاولة المفاوضات للتوصل لحل نهائي عادل وشامل للقضية المالية
الأزوادية حسب ما أعلنوا حينها..
وقد أسفرت هذه المحاولات عن توقيع ما سمي
بخارطة الطريق في (بوركينا فاسو)، واستمرت جلسات التفاوض بين الطرفين حتى تم توقيع
معاهدة السلام الحالية في الجزائر تحت إشراف أممي دولي؛ واستمر التفاوض بعد ذلك لإيجاد
صيغة توافقية مقبولة شعبيا ووطنيا ودوليا لتجسيد الاتفاقية على أرض الواقع؛ وتتابعت
الأحداث سريعا، وأخذت منحى تنافسيا بين الشركاء بعد ذلك، وانشطرت بعض المؤسسات الوطنية،
وتشكلت منها مجموعات أخرى وأخرى حتى لقد تجاوز عددها بضع حركات خلال عام؛ ولجأت كل
حركة لقطرها لتشكيل وتنظيم عناصرها بما يخدم طموح وتطلعات أبناء كل قطر، حسب تصريحات
قادتها..
وفي معركة إثبات الوجود هذه زفرت فجأة فوهة
بركان (تنبكتو) الخامد سنين عددا، واستيقظ من سباته العميق ماردها المتغافل أو الغافل؛
وخرج قادة شعبها عن صمتهم أخيرا ليقولوا كلمتهم..
وقد أصر شعب (تنبكتو) على التأسي بأشقائه
وشركائه في (كيدال _ منكا _قاوا) وبقية المناطق الأزوادية فأسس حركاته الخاصة مثل
(سيبيا _ سيجيا) وغيرها؛ وخرج للشوارع غاضبا يزمجر تتقدمه قياداته السياسية والشعبية
والعسكرية متحدا بألوانه وأطيافه وأعراقه وأجناسه رافعا لافتات تحمل شعارات وطنية وأخرى
ثورية معبرا عن سخطه عن شركائه لعدم إشراكه في صنع القرار ورفضه القاطع لاستقبال حكام
السلطات الانتقالية الجدد المقترحين من قبل الحكومة المالية ومنسقية الحركات الأزوادية
(سيما) بشأن ولايتي (تنبكتو) و (تودني) مؤكدا أن شعب الولايتين هو الوحيد الذي يحق
له اختيار من يحكمه عرفا وشرعا وقانونا.
ولا زال شعب الولايتين مرابطا داخل (تنبكتو)
بعد أن حاصرها شبابه الوطنيون من كل الجهات وأطلق قادته السياسيون نداءات مدوية لإخوتهم
في كل ربوع الوطن الغالي طالبين منهم الدعاء والدعم بكل أنواعه؛ كما طالبوا أشقاءهم
الوطنيين من قادة (سيما) والحكومة المالية باستخدام ميزان العدل للتعامل مع هذه القضية
بحكمة؛ واللجوء إلى لغة الحوار والسياسة والعقل لحل كل الخلافات.
(ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)